الشيخ محمد هادي معرفة

447

التفسير الأثرى الجامع

قال : هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتّى لا يتفاوض بعضهم مع بعض فبدّدهم الربّ من هناك على وجه كلّ الأرض ، فكفّوا عن البنيان ، ولذلك دعي اسمها « بابل » . لأن الربّ بلبل لسانهم وبدّدهم على وجه كلّ الأرض ! ! » « 1 » وهذا يعني : إنّ بني الإنسان هم وحسب جبلّتهم ينزعون إلى التآلف والتفاهم ويرغبون في التجمّع والتوافق على وحدة اجتماعيّة شاملة في الحياة غير أنّه تعالى لموضع خشيته - وحاشاه - من توحّد بني الإنسان ، هو الذي بدّدهم وفرّق شملهم ! ! الأمر الذي نتحاشاه وننزّه ساحة قدسه تعالى عن مثل هذه الخسائس والتي تعتور ذهنيّة اليهود العاثرة ! ! ولكن ما بال المسلمين يغفلون رصيدهم الثريّ ويركضون وراء خزعبلات نسجتها إسرائيل نسج العنكبوت ! ! وكلّ ما ذكروه هنا لا تعدو إملاءات أبناء القردة وعلى رأسهم كعب الأحبار . * * * وأمّا مدينة بابل فهي من أقدم مدن العالم ، وأصل الاسم - باللغة الكلدانيّة - « باب ايلو » أي باب اللّه . ويرادفه بالعبرانيّة : باب إيل وعرّب إلى بابل . وهي بلدة كانت على ضفّتي الفرات ، بحيث كان يخترقها الفرات . يقرب موضعها من موقع بلد الحلّة الآن ، على بعد أميال من ملتقى الفرات ودجلة وعلى مسافة ( 80 كم ) جنوب شرقيّ بغداد . وبابل كانت من أعظم مدن العالم القديم ، بناها أوّلا - فيما يقال - بقايا آل نوح بعد الطوفان . ثمّ توالى عليها اعتناء أصحاب الحضارة بمواطن العراق جيلا بعد جيل . ولكن اعتلاء عظمة بابل كان في حدود سنة 3755 ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وخمسين قبل الميلاد فكانت إحدى عواصم أربعة لمملكة الكلدانيّين ، وهي أعظمها وأشهرها . ولم تزل همم ملوك الدولتين الكلدانيّة والآشوريّة متّجهة نحو عمارة هذا البلد وتنميقه ، فكان بلد العجائب من الأبنية والبساتين ومعهد الثقافة الآسويّة ومنبعث المعارف والعلوم والآداب وقد نسبوا إليها قديما الخمر المعتقة ، كما قال أبو الطيّب :

--> ( 1 ) العهد القديم : 17 .